تبدأ معظم المؤسسات رحلتها مع الذكاء الاصطناعي بمشروع تجريبي: نموذج تنبؤ لإدارة واحدة، أو مساعد محادثة للدعم، أو برنامج لتصنيف المستندات. ويبدو كلٌّ منها نجاحًا بحد ذاته. وبعد بضع سنوات، تجد المؤسسة نفسها تشغّل عشرات النماذج، كلٌّ منها يسحب بياناته عبر مسار خاص به، ويُنشر في بيئة مختلفة، ولا أحد يستطيع أن يجزم أي إصدار يخدم الطلبات فعلًا. لم تعد المشكلة في بناء النموذج، بل في تشغيل عشرات النماذج والوكلاء بطريقة موثوقة وآمنة وقابلة للتدقيق إلى جانب الأنظمة الأساسية للمؤسسة.
تكمن أهمية ذلك في أن التكلفة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تقع في التشغيل لا في البناء الأولي. فالنموذج المتروك دون مراقبة لجودة البيانات ينجرف بهدوء بعيدًا عن الواقع ويواصل تقديم إجابات خاطئة بثقة تامة. وفي الوقت نفسه يسأل مديرو المخاطر والمدققون، وهم محقون، على أي بيانات وأي إصدار من النموذج وأي قاعدة عمل استند قرار آلي ما. ومن دون منصة، تعتمد الإجابة عن هذه الأسئلة على البحث اليدوي في السجلات وذاكرة المهندسين الأفراد. وهذه بالضبط هي النقطة التي يكفّ فيها الذكاء الاصطناعي عن كونه أصلًا ويصبح دَينًا تقنيًا.
يمكن وصف بنية منصة الذكاء الاصطناعي في أربع طبقات. توفر طبقة البيانات وصولًا موحدًا ومضبوطًا إلى بحيرة بيانات المؤسسة وتدفقات أحداثها. وتوحّد طبقة النماذج طريقة تسجيل النماذج وإصدارها وتقييمها ونشرها، سواء كانت نماذج تعلم آلي تقليدية أو نماذج لغوية. وتغلّف طبقة الوكلاء منطق القرار والأدوات في وكلاء قابلين للتركيب يستطيعون التخاطب مع أنظمة المؤسسة. وتطبّق طبقة الحوكمة السياسات والصلاحيات والتتبع والمراقبة على كل ما تحتها. والنقطة الجوهرية أن الطبقات الأربع يجب أن تتشارك نموذج هوية واحدًا ومفردات مشتركة واحدة للأحداث؛ وإلا فإن المنصة ليست سوى أربع جزر منعزلة تحمل شعارًا واحدًا.
الاعتبار العملي الأول هو فصل النموذج عن المنتج. فلا ينبغي أبدًا تضمين نموذج لغوي أو نموذج تنبؤ مباشرةً في كود التطبيق، بل استدعاؤه عبر خدمة قياسية بعقد صريح. ويتيح هذا الفصل تحديث النموذج دون المساس بالتطبيقات، وتقييم عدة نماذج جنبًا إلى جنب، والعودة إلى إصدار سابق عند تراجع الجودة. فمثلًا، إذا جُرّب وكيل لدعم العملاء على ثلاثة نماذج مختلفة، يستطيع الفريق اختيار أفضل موازنة بين الدقة والتكلفة دون تغيير شاشة واحدة من الواجهة.
الاعتبار الثاني هو معاملة الوكلاء كمواطنين من الدرجة الأولى في المؤسسة. فالوكيل الذي يستطيع تسجيل طلب أو قراءة سجل عميل أو الموافقة على استرداد مبلغ يحتاج إلى هوية مستقلة ومجموعة صلاحيات محددة النطاق وسجل تدقيق كامل، تمامًا كالموظف. وهذا يعني أن على الوكلاء التفاعل مع الأنظمة عبر خدمة الهوية نفسها وبوابة API نفسها اللتين يستخدمهما البشر والتطبيقات الأخرى. أما إذا عمل الوكيل بمفتاح شامل ووصول غير مقيد، فكل خطأ في الاستدلال يصبح حادثًا تشغيليًا دون أي حاجز يوقفه.
الاعتبار الثالث هو قابلية المراقبة على مستوى القرار. فالمراقبة التقليدية تقيس سلامة الخدمة: زمن الاستجابة والأخطاء واستهلاك الموارد. أما في الذكاء الاصطناعي فعليك أن ترتقي مستوى أعلى وتتتبع القرار نفسه: ما المدخلات التي وردت، وأي مصادر البيانات استُشيرت، وأي الأدوات استُدعيت، وما المخرجات التي نتجت. وهذا التتبع ضروري لتشخيص الأخطاء وللإجابة عن أسئلة المدقق معًا. فمثلًا، حين يُعترض على قرار ائتماني آلي، ينبغي أن يتمكن الفريق من إعادة بناء سلسلة الاستدلال كاملة في دقائق لا في أيام.
المزالق الشائعة متوقعة. أولًا، البدء من النموذج بدلًا من البيانات؛ فكثير من المشاريع تختار نموذجًا قبل أن يتوفر لها وصول مستقر إلى بيانات جيدة الجودة. ثانيًا، الاعتماد الصارم على مزوّد واحد، ما يحوّل استبدال نموذج أو إضافته إلى إعادة كتابة واسعة. ثالثًا، تجاهل تكلفة الاستدلال التي قد تتجاوز ميزانية التطوير بسرعة مفاجئة على نطاق المؤسسة. رابعًا، منح الوكلاء صلاحية التصرف قبل تصميم مسار للمراجعة البشرية وآلية للإيقاف الطارئ. وتجنّب كلٍّ من هذه المزالق مبكرًا زهيد التكلفة، أما إصلاحه متأخرًا فمكلف.
في نياداد، تطبّق منصة رايون للذكاء الاصطناعي («رايون») هذا التقسيم الطبقي بعينه: تسجيل النماذج وإدارة إصداراتها، والتقديم القياسي، والتقييم المستمر، والوصول المضبوط إلى بحيرة البيانات. وتُبنى عائلة وكلاء الأعمال («الوكلاء») على الأساس نفسه وتربط الوكلاء بأنظمة المؤسسة بهويات خاصة بهم وصلاحيات محدودة النطاق وآثار تتبع كاملة. تعمل المنصتان إلى جانب طبقات الهوية وبوابة API والأحداث في نياداد، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية التحتية للمؤسسة لا جزيرة بجانبها.
مستقبل بنية الذكاء الاصطناعي ليس مستقبل النماذج الأكبر، بل مستقبل المنصات القادرة على تشغيل نماذج متنوعة بانضباط هندسي. فالمؤسسات التي تبني هذه البنية التحتية اليوم ستتمكن غدًا من تشغيل أي نموذج جديد في غضون أيام، أما التي لا تبنيها فستبدأ كل مشروع من الصفر مرة بعد مرة. والميزة الدائمة لا تكمن في نموذج بعينه، بل في المنصة التي تضع النماذج في الخدمة.